السيد علي الطباطبائي

4

رياض المسائل ( ط . ق )

بعض المتأخرين وربما نسب إلى العلامة جمعا بين كلماته في كتبه أو العدم مطلقا كما هو مختار المصنف أقوال ما عدا الأخير منها مبني على ما تقدم من الاختلاف في اعتبار تساوي السطوح في الكثير وعدمه وحيث قد عرفت عدم الاعتبار ظهر لك صحة القول الثاني فيتحد حينئذ حكم المفروض مع غيره كما نسب إلى الأكثر ومستند الأخير إطلاق ما تقدم من الأخبار وهو ضعيف لفقد ما يدل فيه على العموم وضعف دلالة الإطلاق عليه من حيث قوة احتمال وروده مورد الغالب وهو زيادة مواد الحمامات عن الكر غالبا ثم إن هذا لدفع النجاسة عن مياه الحياض وأما لتطهيرها لو انفعلت بالملاقاة فلا بل لا بد في المادة من اعتبار الكرية بلا خلاف حتى من المصنف على ما قيل وهل يكفي مقدار الكر فيها أم لا بد فيها من الزيادة بمقدار ما يحصل الامتزاج لما في الحياض قولان مبنيان على الاختلاف في اعتبار الامتزاج بالماء الطاهر في تطهير القليل أو الاكتفاء بمجرد الاتصال ولا ريب أن الأول أحوط وأولى لو لم نقل بكونه أقوى وابتناء القول الأول على الثاني دون الأول مبني على ما هو المشهور من اعتبار الدفعة العرفية وأما مع عدم اعتبارها كما ذهب إليه جماعة من أصحابنا بناء على عدم الدليل عليها فيكفي مقدار الكر فيها ولو قلنا بالأول كما لا يخفى وهو غير بعيد واللَّه العالم وفي نجاسة ماء الحياض بالملاقاة حين الاتصال بالمادة مع الشك في كريتها بناء على اعتبارها فيها خاصة أو مع ما في الحياض وجهان بل قيل قولان وينبغي القطع بالطهارة لو طرأ الشك بعد تيقن الكرية فيها لاستصحابي بقاء الطهارة والمادة على الكرية وعمومي الأصلين البراءة وكل ماء طاهر حتى تعلم أنه بعينه قذر ولو طرأ بعد تيقن نقصها من الكر بكثرة مجيء الماء إليها فلا يبعد ذلك لتعارضهما من الجانبين فيبقى الأصلان سالمين عن المعارض ومنه يظهر الحكم فيما لو طرأ مع فقد اليقينين وأما لو انفعل ما في الحوض ثم اتصل بالمادة المزبورة المشكوك كريتها فالأقرب البقاء على النجاسة لاستصحابها السليم عن المعارض وإن احتمل الطهارة أيضا في الجملة بمعنى عدم تنجيسه ما يلاقيه بإمكان وجود المعارض من جانب الملاقي الطاهر لمثله إلا أن الظاهر كون الاستصحاب الأول مجمعا عليه [ ماء المطر ] وكذا حكم ماء الغيث مطلقا حال نزوله من السحاب حكم الجاري في عدم الانفعال إذا جرى من ميزاب ونحوه إجماعا ظاهرا حتى من المعتبر للكرية فيه وعبارته في بعض كتبه وإن أوهمت في بادي النظر خلافه وإلحاقه بالجاري مطلقا إلا أن عبارته فيما بعدها تدفع ذلك وتنبئ عن صحة ما ذكرناه وكذلك إذا لم يجر على الأشهر للأصل واختصاص ما دل على الانفعال بغير موضع النزاع وللمعتبرة المستفيضة ففي الصحيح عن رجل يمر في ماء المطر وقد صب فيه خمر فأصاب ثوبه هل يصلي قبل أن يغسله فقال لا يغسل ثوبه ولا رجليه ويصلي فيه ولا بأس وفي آخر عن السطح يبال عليه فيصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب فقال لا بأس به ما أصابه من الماء أكثر منه وفي المرسل كل شيء يراه المطر فقد طهر خلافا للشيخ في التهذيب والمبسوط وابني حمزة وسعيد لأخبار أخر منها الصحيح عن البيت يبال على ظهره ويغتسل من الجنابة ثم يصيبه المطر أيؤخذ من مائه فيوضأ به للصلاة فقال إذا جرى فلا بأس وفي معناه غيره ومنها الحسن في ميزابين سالا أحدهما بول والآخر ماء المطر فاختلطا فأصاب ثوب رجل لم يضره ذلك وفي معناه غيره وهو ضعيف لأن اختصاص مورد الثاني بالجاري لا يستلزم اشتراطه وثبوت البأس في مفهوم الأول مع عدم الجريان أعم من النجاسة فيحتمل الكراهة مضافا إلى ضعف الدلالة من وجوه أخر أظهرها احتمال إرادة الجريان من السماء المعبر عنه بالتقاطر في كلام الفقهاء ويقوي هذا الاحتمال أن حمل الجريان على ما فهمه الشيخ من الجريان من الميزاب ونحوه يوجب خلو ما ذكروه من اشتراط كون التقاطر من السماء في عدم الانفعال من نص يدل عليه وهو بعيد ومحصل هذا الجواب إجمال متعلق الجريان فكما يحتمل ما يستدل به للشيخ فكذا يحتمل ما ذكرنا مما لا خلاف فيه وربما يتردد بعض المتأخرين في إلحاقه بالجاري مع ورود النجاسة عليه مع عدم الجريان التفاتا إلى اختصاص الروايات المتقدمة النافية للبأس عنه بعد الملاقاة بوروده على النجاسة ولا دلالة فيها على الحكم المذكور مع العكس فينبغي الرجوع فيه إلى القواعد وهو ضعيف لما قدمناه من الأصول وعموم المرسلة وإن تضمن صدرها ما في سابقيها لعدم تخصيص العام بالمورد الخاص فتأمل مع أن قوله ع في الصحيح المتقدم ما أصابه من الماء أكثر منه في حكم التعليل وظاهره جعل العلة خصوص الأكثرية ولا يختلف فيها الحال في الصورتين بلا شبهة هذا مع أن الصحيحة السابقة صريحة في رده من حيث وقوع التصريح بها بصب الخمر في ماء المطر من دون تفصيل بين قلة ذلك الماء وكثرته وإطلاق كثير من الأخبار النافية للبأس عنه من دون تقييد بورود الماء شاهد أيضا وقصور الأسانيد فيما عدا المرسلة وفيها غير ضائر بعد الاعتضاد بعمل الأصحاب مع أن القول بما قاله كاد أن يكون خرقا للإجماع إذ لم نقف على من نص على ما ذكره هنا بل كل من الحقة بالجاري ألحقه بقول مطلق وثبوت القول بالتفضيل المذكور في القليل لجماعة في غير المقام لا يستلزم ثبوته هنا لتغايرهما هذا مع أن القول به ثمة إنما نشأ عند محققيهم وتلقاه المورد في جملة من تحقيقاته بالقبول من عدم العموم فيما دل على نجاسته القليل بالملاقاة بناء على اختصاص أكثر أخبارها بصور مخصوصة ليس صورة ورود الماء على النجاسة منها وفقد اللفظ الدال على العموم في المطلق من أخبارها والاكتفاء في رفع منافاة الحكمة بثبوت الحكم بالانفعال في بعض أفراده وهو ورود النجاسة عليه وهذا كما ترى يقتضي عدم التفصيل في المقام لكون الصورة المفروضة هنا ليس من أفراد الأخبار الخاصة أيضا والمطلق من أخبارها لا عموم فيه فيكفي في رفع منافاة الحكمة ثبوت الحكم بالانفعال في غير ماء المطر فالمتجه فيه الرجوع فيه بأنواعه سوى ما فيه الإجماع على قبوله النجاسة كما إذا انقطع وكان قليلا وإن كان جاريا إلى ما اقتضى الطهارة من الأصل والعمومات فما ذكره الأصحاب هو الوجه واللَّه العالم [ الماء القليل الراكد ] وينجس الماء القليل الناقص عن الكر من الراكد بالملاقاة بالنجاسة مطلقا على الأصح وفاقا للمعظم للإجماع المستفيض نقله عن جماعة من أصحابنا وخروج من سيأتي غير قادح في انعقاده عندنا بل وفي الجملة عند غيرنا وللصحاح